قراءات ومراجعات

حين انحطّ المسلمون.. مَن الذي خسر؟

غلاف كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين — طبعة دار ابن كثير

تأمّل عنوان الكتاب وحده، فهو نصف الفكرة. لم يقل صاحبه: “ماذا خسر المسلمون بانحطاطهم”، فتلك خسارةٌ يعرفها كلّ أحد. بل قال: “ماذا خسر العالم”. وفي هذا التحويل البسيط دعوى ثقيلة: أنّ تأخّر المسلمين لم يكن نكبةً نزلت بهم وحدهم، بل كان مصيبةً أصابت البشرية كلّها، شعرت بها أو لم تشعر.

والحقيقة أنّ كتاباً يفتتح بهذه الجرأة جديرٌ بأن يُقرأ. وقد عرف الناس قدره مبكّراً، فتلقّوه بالقبول والثناء، وتناقلته المكتبات جيلاً بعد جيل. فما قصّته؟

رجلٌ من الهند يكتب للعرب

صاحب الكتاب هو العلّامة أبو الحسن علي الحسني الندوي، عالمٌ هنديّ من بيت علمٍ وصلاح، تعلّم العربية صغيراً حتى أتقنها وأحبّها، وعكف على عيون الأدب والبلاغة حتى صارت العربية لغته التي يختار أن يكتب بها وهو في الهند. ثم كان اشتغاله بالدعوة نقطةَ تحوّلٍ في حياته، نقلته من العزلة بين الكتب إلى الاتّصال بالناس في القرى والمدائن. فاجتمع له ما يندر اجتماعه: عمق العالِم، وحرارة الداعية، وبيان الأديب.

ومن مثل هذا الرجل تخرج كتبٌ تبقى.

رحلةٌ في تاريخ العالم

ليس الكتاب خطبةً حماسيةً تُلهب المشاعر ثم تنطفئ، بل هو رحلةٌ هادئةٌ في التاريخ، يأخذ المؤلف فيها بيدك عبر أربع محطّات:

يبدأ فيرسم لك صورة العالم قبل الإسلام: من الهند والصين إلى فارس والروم، عالمٌ تتعفّن روحه وتختلّ موازينه، يسوده الظلم والعبودية، وتتنازعه موجةٌ من الترف الفاجر والحرمان البائس، وقد أدرك التحريفُ دياناتِه السماوية فجمدت وفقدت سيطرتها على القلوب.

ثم يعرض ما صنعه الإسلام بالبشرية: كيف خلّص روح الإنسان من الوهم والخرافة والرقّ، وحرّر المجتمع من الطغيان وفوارق الطبقات واستبداد الكهنة، وبنى الحياة على العفّة والعدل والكرامة والمعرفة واليقين. كان ذلك في إبان كانت القيادة فيه للإسلام، فدلّ الناس على ربّهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور.

ثم يصف الفترة التي انحطّ فيها المسلمون وفرّطوا في الأمانة، فتخلّوا عن القيادة التي فرضها عليهم دينهم، فانتكست الإنسانية إلى جاهليتها الأولى في الوقت ذاته الذي انفتحت فيه أمامها آفاق العلم الباهرة. ومن لطائف الكتاب أنّ الندوي يُحيي كلمة “الجاهلية” بمعناها العميق: لا فترةً من الزمن مضت، بل طابعاً يبرز كلّما سقطت القيم وحلّت محلّها أهواء.

ثم يخلص إلى حجم الخسارة: أنّ العالم حين فقد القيادة الراشدة فقد هاديَه، فتاه. وأنّ الرسالة وحدها هي القادرة على إنقاذه من الانهيار، لو نهض حَمَلتها واحتضنوها بإخلاص.

لمن هذا الكتاب؟

قد يُظنّ أنّ كتاباً في الحضارة والتاريخ خاصٌّ بطلبة العلم والمؤرّخين، وليس كذلك. فهو كتابٌ لكلّ من يحمل في صدره سؤالاً عن موقع أمّته في هذا العالم، وعن موقعه هو فيها. وقلّ أن تجد قارئاً يُغلق الكتاب كما فتحه.

هو كتابٌ لكلّ مسلم يريد أن يفهم دينه لا بوصفه شعائر يؤدّيها فحسب، بل بوصفه رسالةً غيّرت وجه التاريخ يوماً، وما تزال تملك القدرة على تغييره. يقرؤه المسلم فيرى الإسلام من علٍ: كيف انتشل الإنسانية من ظلماتها، وكيف كانت سعادة العالم معقودةً بصلاح حَمَلة هذه الرسالة. فيخرج من الكتاب أعرفَ بقيمة ما يحمل، وأشدَّ إحساساً بأنّ له في هذا الدين دَيناً عليه أن يؤدّيه.

وهو كتابٌ للشابّ الذي يتقاذفه سؤال الهوية، ويُلَقَّن صباح مساء أنّ الحضارة بدأت من أوروبا وانتهت إليها. يجد فيه روايةً أخرى للتاريخ، منصفةً صادقة، لا تجعل الغرب محور العالم، فتردّ إليه ثقته بنفسه وبماضيه من غير غرور، وتفتح أمامه باب الرجاء في مستقبله. وما أحوج جيلَنا الناشئ إلى كتابٍ يصالحه مع جذوره من غير أن يقطعه عن عصره.

وهو كتابٌ للأب والأمّ والمربّي؛ فالكتاب في جوهره عن التبعة: أنّ هذه الأمة وُجدت لتؤدّي رسالةً للناس، لا لتعيش لنفسها. قال الله تعالى:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]

ومن هنا تلتقي رسالة الكتاب بهمّ كلّ من يربّي جيلاً، في دروسٍ أربعةٍ تصلح زاداً لكلّ قارئ:

أوّلها أنّ الانحطاط بدأ في النفوس قبل أن يظهر في الواقع؛ فالإصلاح كذلك يبدأ من النفس. والكتاب حين يغرس في قارئه أنّ له رسالةً ودوراً، يصنع إنساناً يحمل همّاً أكبر من ذاته، لا يكتفي بأن ينجو وحده.

وثانيها أنّ الكتاب — مع تحمّسه للروح الإيمانية — لم ينسَ أن يُلحّ على الاستعداد العلمي والعملي. وهذه نظرةٌ نقدّرها ونحتفي بها فيما نختار من الكتب: أنّ الإنسان مركَّبٌ يُخاطَب كلُّه، فلا روحٌ معلّقةٌ في الهواء، ولا جسدٌ بلا غاية، بل جمعٌ بين قوّة الإيمان وقوّة الأخذ بالأسباب.

وثالثها أنّ العزّة شيءٌ والكِبر شيءٌ آخر؛ فالكتاب يبعث في القارئ إحساس العزّة من غير كِبر، والثقة في غير اغترار. وهذا بالضبط ما يشعر به القارئ حين يعرف تاريخه: اعتزازاً يدفع إلى العمل، لا غروراً يقعد عنه، ولا انكساراً يُقعده اليأس.

ورابعها أنّ معرفة التاريخ ليست ترفاً يُتسلّى به، بل وقودٌ للعمل ووعيٌ بالطريق. فالقارئ حين يرى كيف رفع الإسلامُ أمّةً من الحضيض إلى القمّة، يوقن أنّ ما جرى مرّةً يمكن أن يتكرّر، وأنّ بابه مفتوحٌ لكلّ جيلٍ يصدُق مع ربّه.

فالكتاب — كما ترى — يخاطب المسلم في يقينه، والشابّ في هويّته، والمربّي في رسالته، والقارئ العامّ في وعيه. وقلّ أن يجتمع هذا كلّه في كتابٍ واحد.

لماذا تقرؤه؟

تقرؤه لأنّه يُعيد إليك إيمانك بنفسك وبماضيك ورجاءك في مستقبلك. وتقرؤه لأنّه يعلّمك كيف يُكتب التاريخ من زاويةٍ منصفةٍ لا تجعل أوروبا محور العالم. وتقرؤه لأنّه — على عمقه — مكتوبٌ بلغةٍ تتدفّق كالسيل، فلا تَملّ صفحاته.

وأصدق ما يُقال في الترغيب فيه أنّه ليس كتاباً تقرؤه مرّةً وتنساه، بل كتابٌ يُغيّر نظرتك إلى أمّتك وإلى دورك فيها. ومثله جديرٌ أن يكون في مكتبة كلّ بيتٍ يربّي جيلاً، وأن يُقرأ مع الأبناء حين يكبرون قليلاً، ليعرفوا قَدْر ما يحملون.

فإن أردتَ أن تنظر إلى تاريخك بعينٍ جديدة، وأن تُورِث أبناءك عزّةً واعية، فهذا الكتاب بابٌ من أبوابها.