التصفح من داخل التطبيق أبطأ قليلاً. لتجربة أسرع افتح الرابط في متصفحك.

نورُ العِلمِ إلى بابِك
قراءات ومراجعات

خراسانُ التي أنجبت البخاريَّ وابن سينا: «الخراسانية» للطريفي

غلاف كتاب «الخراسانية في شرح عقيدة الرازيين» لمكتبة دار المنهاج، إلى جانب صورة مؤلفه الشيخ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

ما الذي يجعل رجلين عاشا على أطراف خراسان، بعيدًا عن الحجاز ولغته التي نزل بها الوحي، يكتبان في العقيدة صفحتين قصيرتين يتّفق عليهما علماء الحجاز والعراق ومصر والشام واليمن جميعًا؟ وما الذي جعل هذه البلاد نفسها، التي صارت فيها الفلسفة علمًا ظاهرًا قبل الإسلام، تُخرِج للأمة البخاريَّ ومسلمًا والترمذيَّ والنسائيّ، ثم تُخرِج بعد ذلك الفارابيَّ وابن سينا والجوينيَّ والغزاليَّ والرازيّ؟

بهذين السؤالين يفتتح الشيخ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي كتابه «الخراسانية في شرح عقيدة الرازيين: أصل السنة واعتقاد الدين»، الصادر عن مكتبة دار المنهاج في نحو 860 صفحة. وهو شرحٌ لمتنٍ لا يتجاوز صفحتين، لكنه من أقدم ما دُوِّن في اعتقاد أهل السنة، وأحد أوسع ما كُتب في تفسيره.

متنٌ شهد عليه ثلاثة آلاف شيخ

أصل الكتاب متنٌ يُعرف بـ«أصل السنة واعتقاد الدين»، رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه وعن أبي زرعة، حين سألهما عمّا أدركا عليه علماء الأمصار كلّها في أصول الدين. فأجاباه:

«أدركنا العلماء في جميع الأمصار؛ حجازًا، وعراقًا، ومصرًا، وشامًا، ويمنًا؛ فكان من مذاهبهم…» (ص 9-10)

ثم سردا في جملٍ قصيرةٍ محكمة مسائل الإيمان والقرآن والقدر وفضل الصحابة والعلوّ والرؤية واليوم الآخر، وختما بعلامات أهل البدع. وما كان هذا الإجماع كلامًا مرسلًا؛ فابن أبي حاتم وأبو زرعة رحلا في الأمصار ولقيا من الشيوخ ما يقرب من ثلاثة آلاف شيخ، فجاء هذا المتن القصير خلاصة ما وجداه عليه أهل العلم في كلّ تلك البلدان، لا رأيًا انفردا به.

خراسانُ تُنجب الفريقين

فلماذا «الخراسانية» إذن؟ يجيب الشارح في مقدّمته: كانت خراسان البلدَ الذي اجتمعت فيه فلسفات الأمم السابقة وعلوم المسلمين معًا، وكانت عقول أهلها أوّل الأمر على الفطرة، تأخذ الوحي بالتسليم، يدخلها ويخرج منها كما دخل إليها (ص 6). فلمّا استحكمت العلوم الفلسفية من بعض تلك العقول، أدخلت الوحي وأخرجته على غير معناه.

ومن هذا الانقسام خرج فريقان من بلدٍ واحد وزمنٍ متقارب: أئمّة هدى كالرازيَّين والبخاريّ ومسلم، وأئمّة فلسفةٍ وكلامٍ انصرفوا عن المعتقد الصحيح. فالعنوان ليس نسبةً جغرافية، بل هو أطروحة الكتاب كلّها: ما الذي فرّق، في البلد الواحد، بين من أخذ الوحي بلسانه الأوّل ومن أخذه بلسانٍ غيره؟

لسانُ الوحي، لا طلاقةُ العقل

يجيب الطريفي عن هذا السؤال بالفكرة التي يقوم عليها الكتاب كلّه: أكثر الضلال في العقائد ليس جهلًا بالأدلّة، بل جهلٌ بمرادها. فالأئمّة، كما يقرّر، استفرغوا وسعهم في تمحيص الأدلّة وتبليغها:

«وأكثرُ الضلال في العقائد هو بسبب الجهل بالمراد بالأدلّة؛ لأنّ الأئمّة استفرغوا وسعهم بتمحيص الأدلّة وتنقيتها، ثم تبليغها وإقامة الحجّة بها على الناس، ولكن دخلها التأويل بجهل.» (ص 21)

ويضيف أنّ هذا كثُر في العجم أكثر من العرب، وأنّ صاحبه غالبًا تديّنٌ وحسن قصد، لا تعمّد ضلال؛ فانخدعت به النفس، واغترّت أتباعها. ومن هنا يُفسَّر سرّ تقدّم الرازيَّين: لم يعتمدا على فهمهما مع سلامته، بل سألا عمّا أدرك عليه علماء الحجاز، أقربِ الناس إلى الاستعمال الذي نزل به الوحي وتكلّم به النبيّ ﷺ وأصحابه. ولذلك بدآ بذكر علماء الحجاز قبل غيرهم.

وعلى هذا الأصل يقوم منهج الشرح كلّه: الاعتماد على النقل لا تحكيم العقل المجرّد، ومراعاة استعمال الشرع لألفاظه لا الاستعمال الطارئ عليها، وتفسير ألفاظ الوحي بما فهمه منها أقرب الناس إلى زمن نزوله. وبهذا يُفهم قول المؤلف في أوّل كتابه: «فالدين ليس للأذكياء فقط، بل لكل المكلفين من أصحاب العقول، يفهمه كل متجرد صحيح العقل واللغة والفطرة» (ص 6)؛ فليست دعوةً إلى تعطيل العقل، بل إلى عقلٍ متجرّدٍ يأخذ اللسان كما نزل، لا عقلٍ مثقلٍ بفلسفةٍ طارئة.

الأصول قبل الفروع

وأصحُّ المسالك في فهم العقائد، كما يقرّر الطريفي، فهمُ أصولها قبل فروعها:

«وأصحُّ المسالك وأدقُّها وأنفعُها في فهم العقائد: فهمُ أصولها ثمّ فروعها؛ لمعرفة منشأ كلّ ضلالة وانفكاكها عن أصلٍ صحيح، ومعرفة كيف ردّها السلف ونقضوها؛ فإنّ معرفة أصول الحقّ بابٌ لمعرفة أصول الباطل وفروعه.» (ص 21)

ولذلك لا يكتفي الشرح بتقرير المسألة، بل يتتبّع نشأتها: من أوّل من أخرج العمل من مسمّى الإيمان؟ متى ظهرت بدعة نفي القدر؟ كيف انتقلت مقالات الفلاسفة إلى المتكلّمين؟ فيخرج القارئ، لا بالجواب وحده، بل بخريطةٍ لنشأة الأقوال وتطوّرها.

من مسائل الكتاب

يسير الشرح على ترتيب المتن: الإيمان أوّلًا، ثم القرآن، ثم القدر، حتى ينتهي بأحوال أهل البدع.

في الإيمان، يتتبّع الطريفي أوّل من أخرج العمل من مسمّاه، ويقرّر أركانه وزيادته ونقصانه. وفي القرآن، يبيّن أنّ القول بأنه كلام الله غير مخلوق كان إجماعًا قائمًا قبل ظهور القول بخلقه، ويردّ المقالة المخالفة إلى جذورها.

وفي القدر، يربط بين ضعف اليقين بعلم الله وحكمته وبين الفكر المعاصر:

«وضعفُ اليقين بالعلم والحكمة في النفوس، هوَّن الإيمانَ بأصل نشأة المخلوقات، وأدّى إلى القول بتنوّع ابتداء المخلوقات بنشأتٍ مختلفة، وأوجَدَ الصُّدْفةَ، وقد ظهر اليوم من يُرجِع أصلَ الإنسان إلى الحيوان.» (ص 186)

ومن أطرف ما في الكتاب مناظرة الجهم بن صفوان مع السُّمنية، فلاسفة الهند الذين لا يُثبتون إلا ما أدركته الحواسّ الخمس، حتى تحيّر الجهم عن جواب سؤالهم: هل رأيت إلهك أو سمعت كلامه؟ ويربط الطريفي هذه المناظرة القديمة بما يراه اليوم:

«وأصولُ السُّمنيّة شبيهةٌ بأصول الملاحدة اليوم من الأفكار والعقائد المادّيّة؛ كالعلمانيّة والليبراليّة، التي لا تجعل الوحي دليلًا للإثبات ولا للنفي، وإنما تجعل ذلك للحواسّ الخمس فقط.» (ص 325)

بل يمدّ النقد إلى بعض من دخلوا أبواب “الإعجاز العلمي” لإثبات توافق المادّة مع الوحي، فانتهى ببعضهم الأمر إلى الإقرار بأصل الملاحدة أنفسهم: أنّ الحسّ وحده هو أصل المعرفة.

ثم يتناول الكتاب إثبات علوّ الله والجمع بينه وبين نصوص المعيّة، وإثبات الرؤية في الآخرة، ومسائل اليوم الآخر من القبر والبعث والصراط والميزان والحوض والشفاعة، ويختم بعلامات أهل البدع وأحكام هجرهم وضوابطه، مع التنبيه على الرفق ببعض أهل الشرّ ومشروعية الاستمرار في الإصلاح ولو لم يزُل الشرّ كلّه.

كتابٌ يصل القديم بالحديث

وهنا تكمن ميزة هذا الشرح التي تفرّقه عن كثيرٍ من شروح العقيدة: فهو لا يبقى حبيس معارك القرون الأولى، بل يفتح كلّ معركةٍ قديمةٍ على نظيرتها اليوم؛ فمناظرة الجهم مع السمنية تضيء أصول المادّية المعاصرة، وضعف اليقين بالقدر يضيء القول بالصدفة والتطوّر، فيرى القارئ أنّ أصول الضلال واحدة وإن تغيّرت أسماؤها من عصرٍ إلى عصر.

حجمه ومستواه

والكتاب، بثمانمئة وستين صفحة، ليس كتابًا يُقرأ في جلسة، بل مرجعٌ يُرجع إليه؛ جمعه مؤلفه من مجالس متعدّدة في القاهرة والرياض، وفي آخره فهارسُ مفصّلة للمذاهب والأقوال والفوائد، تصلح مدخلًا للتصفّح قبل القراءة الكاملة. وهو يفترض في قارئه إلمامًا بمبادئ العقيدة ومصطلحاتها؛ فمن كان في أوّل الطريق، فالأنفع أن يبدأ بمتنٍ مختصرٍ وشرحٍ موجز، ثم يعود إليه ليتعمّق.

لمن هذا الكتاب؟

هو كتابٌ لطالب العلم الذي قرأ متون العقيدة المختصرة، ويريد أن يفهم لماذا قال السلف ما قالوا، لا أن يحفظ ما قالوه فحسب.

وهو كتابٌ للمهتمّ بتاريخ الأفكار، يريد أن يعرف كيف دخلت الفلسفة إلى الفكر الإسلامي من بابٍ واحدٍ خرج منه أيضًا أئمّة الحديث، وكيف قاومها أهل الأثر جيلًا بعد جيل.

وهو كتابٌ لمن يحاور شبهات الإلحاد والمادّية المعاصرة؛ فهو يريه أنّ هذه الشبهات ليست جديدةً كما تُصوَّر له، بل جذورها قديمة، وقد ردّها علماء هذه الأمة قبل أن تُولد أسماؤها الحديثة.

فالكتاب، كما ترى، يخاطب طالب العلم في طلبه، والمفكّر في بحثه، والمحاور في ساحته. وقلّ أن تجتمع هذه الموضوعات الثلاثة في كتابٍ واحد.

خاتمة: متنٌ في صفحتين، وشرحٌ في ثمانمئة وستين

قد يبدو الفارق بين حجم المتن وحجم شرحه مبالغةً، لكنه في الحقيقة صورة الكتاب كلّه: فكلّ جملةٍ قصيرةٍ في عقيدة الرازيَّين تختصر قرونًا من الجدل، وطريقًا طويلًا بين من أخذ الوحي بلسانه الأوّل ومن أخذه بلسانٍ غيره. وقد اختار الطريفي أن يفتح كلّ جملةٍ من تلك الجمل، ليريك ما وراءها.

عن مؤلف الكتاب

عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

عبد العزيز بن مرزوق الطريفي، محدّثٌ سعوديّ وُلد بالكويت سنة 1976م، تخرّج في كلية الشريعة بالرياض، وعمل باحثًا علميًّا في وزارة الشؤون الإسلامية، وكتب في الحديث وعلله والتفسير والعقيدة، وعدّت مجلة الدعوة أوّل كتبه «التحجيل» أفضل عملٍ علميٍّ في المملكة سنة نشره.

تعرّف على المؤلف وكتبه ←

أسئلة شائعة

عن ماذا يتحدث كتاب «الخراسانية في شرح عقيدة الرازيين»؟
هو شرحٌ موسّع لمتنٍ قديم في عقيدة أهل السنة يُعرف بـ«أصل السنة واعتقاد الدين»، رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة. يتتبّع الشيخ عبد العزيز الطريفي فيه أصل كلّ ضلالةٍ في العقيدة ونشأتها التاريخية، من مسائل الإيمان والقرآن والقدر إلى اليوم الآخر وأحوال أهل البدع، ويربط قديم هذه المسائل بالفكر المعاصر كالعلمانية والداروينية.
من مؤلف كتاب «الخراسانية»؟
هو الشيخ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي، وله أيضاً في مكتبة مصابيح «التحجيل في تخريج ما لم يخرَّج في إرواء الغليل»، و«علل أحاديث الأحكام (الطهارة)»، و«التقرير في أسانيد التفسير».
لماذا سُمّي الكتاب «الخراسانية»؟
نسبةً إلى خراسان، البلد الذي اجتمعت فيه علوم الفلسفة والوحي معًا، فأنجبت أئمّة الحديث كالبخاري ومسلم، وأنجبت أيضاً فلاسفة ومتكلّمين انصرفوا عن المعتقد الصحيح. والعنوان عند المؤلف أطروحةٌ لا مجرّد نسبة: ما الذي فرّق بين الفريقين في البلد الواحد؟
لمن يناسب كتاب «الخراسانية»؟
يناسب طالب العلم الذي قرأ متون العقيدة المختصرة ويريد أن يعرف أصول مسائلها ونشأتها التاريخية، والمهتمّ بتاريخ الفكر الإسلامي ودخول الفلسفة فيه، ومن يحاور شبهات الإلحاد والعلمانية المعاصرة.