التصفح من داخل التطبيق أبطأ قليلاً. لتجربة أسرع افتح الرابط في متصفحك.

نورُ العِلمِ إلى بابِك
قراءات ومراجعات

حين يصير المختبرُ معبدًا: «العلموية» لسامي عامري

غلاف كتاب «العلموية: الأدلجة الإلحادية للعلم في الميزان» لمركز رواسخ، إلى جانب صورة مؤلفه الدكتور سامي عامري

صفحةٌ على فيسبوك يتابعها مئاتُ ألوف الشباب العرب، تتحدّث عن البيولوجيا وكشوف العلم الحديث، وتُعرِّف نفسها بعبارةٍ تبدو بريئة: «نحن نُصدِّق العلم».

ومن ذا الذي لا يُصدِّق العلم؟

لكنّ الصفحة لم تلبث أن كشفت وجهها، فزادت في تعريف نفسها أنها تُصدِّق العلم لأنّه «المنهج المعرفي الوحيد الذي أثبت صدقه». وههنا موضع الداء كلّه: في كلمة «الوحيد». فبين «العلمُ طريقٌ إلى المعرفة» و«العلمُ هو الطريق الوحيد إليها» مسافةٌ تفصل العلمَ عن أيديولوجيا تتّخذه قناعًا.

وهذه الأيديولوجيا، لا العلمُ نفسه، هي موضوع كتاب «العلموية: الأدلجة الإلحادية للعلم في الميزان» للدكتور سامي عامري، الباحث في الأديان المقارنة والمذاهب المعاصرة.

لكل عصرٍ أصنامه

يفتتح المؤلف كتابه بملاحظةٍ تاريخية: إنّ الناس حين يثورون على أصنام عصرهم، كثيرًا ما يستبدلون بها أصنامًا جديدة، وإن غيّروا الأسماء. رفعوا قديمًا شعار «العقل» حتى بوّأوه مرتبة العصمة، ثم رفعه فلاسفة الأنوار بديلًا عن الوحي. واليوم يرتفع شعارٌ جديد:

«وشعار “أنا أؤمن بالعلم”، صَنَمٌ من أصنام العصر، يعلو به صنمُ العلم بقيّةَ الأصنام حتى لا تمسّه يدٌ لأنّه “الأعلى” والحاكم على كلّ شيء.» (ص 18)

وأوّل ما يحرّره الكتاب، وهو أهمّ ما فيه، التمييز بين العلم والعلموية. فالعلم الطبيعي دراسةٌ منهجية لقوانين الكون، وأمّا العلموية فليست علمًا بل موقفٌ من العلم: دعوى أنّ ما لا تبلغه التجربة فهو وهمٌ أو لغو. ويصوغ عامري موقفه بوضوحٍ يقطع سوء الفهم من أوّله:

«ونحن في رفضنا للعلموية، لا نرفض العلم، وإنما نرفض أدلجة العلم بتحويله إلى رؤيةٍ كونيّة.» (ص 27)

فخصومته ليست مع المختبر والتلسكوب، بل مع من يجعلهما حَكَمًا على كلّ شيء.

دينٌ بلا إله

يذهب المؤلف أبعد من ذلك، فيقرّر أنّ العلموية في خطاب رموزها تكاد تكون دينًا مكتمل الأركان:

«دينٌ له معبوده، وروايته الأولى للوجود، وأنبياؤه، ومعجزاته، ووصفته للخلاص، ومحاربه، وصكوك الحرمان واللعنة، والمغفرة والنجاة.» (ص 57)

وليس هذا وصفَ خصم. فقد قاله ملحدٌ بلسانه: البيولوجي ديفيد سلوان ويلسون كتب أنّ «العلم هو بالضبط مثل الدين، لكنّ إلهه هو الحقيقة». فالفارّ إلى العلموية، كما يخلص عامري، لا يفرّ من دينٍ إلى علمٍ خالص، بل يفرّ من دينٍ إلى دين، ومن قداساتٍ إلى قداسات، ومن غيبٍ إلى غيب.

هل العلمُ وحده طريق المعرفة؟

هنا السؤال المركزي، وفيه يبلغ الكتاب أدقّ مستوياته. فما دليل العلمويّين على أنّ العلم وحده يملك الحقيقة؟ يسوق المؤلف حجّة الفيلسوف الملحد أليكس روزنبرغ: الفيزياء دقيقةٌ في نبوءاتها، ولها تطبيقاتٌ عظيمة، وتفسيراتٌ واسعة؛ إذن هي الطريق الوحيد لإدراك العالم.

كلا! فالنتيجة لا تلزم عن المقدّمات. ألم تكن فيزياء نيوتن ناجعةً قرونًا، حتى قال الفيزيائيون إنها الأصول اليقينية للكون، ثم جاءت نسبية أينشتاين فنسخت كبرى مقولاتها؟ إصابة العلم في بابٍ لا تنفي إمكان إصابته من بابٍ آخر غيره.

حين يُعلَن «موت الفلسفة»

ومن أمتع ما في الكتاب صرخة ستيفن هوكنغ الشهيرة: «تقليديًّا، هذه أسئلةٌ تتعلّق بالفلسفة، ولكنّ الفلسفة قد ماتت» (ص 75)، وعلى منواله يقول ريتشارد فاينمان إنّ العالِم خارج تخصّصه لا يزيد ذكاءً عن أيّ إنسانٍ يتحدّث خارج علمه. ويلتقط عامري المفارقة: القول بموت الفلسفة قولٌ فلسفيٌّ لا رصدٌ معملي، فصاحبه كمن يلعن الهواء الذي يتنفّسه.

غيبٌ لا يأتي أبدًا

ثم يقلب المؤلف العلموية على ميزانها هي: فهي تقرّر أنّ الحقيقة كلّ دعوى تنجح في الاختبار العلمي، ولكنّ هذه الدعوى نفسها ليست دعوى مادية يمكن قياسها في معمل؛ فتسقط في امتحانها هي كما تسقط دعوى «لا توجد حقيقة» حين تُقدَّم نفسها حقيقة. والعلم، في الموازاة، يقوم على مقدّماتٍ لا يملك المختبر إثباتها: اطّراد قوانين الطبيعة، وصلاحية العقل لإدراكها. فلا يملك أن يقف وحده دون سندٍ من غيره.

«إنّ العلموية إيمانٌ بغيبٍ بعيد.. غيبٍ أبعدَ من الغيب الدينيّ؛ فإنّ المؤمن موعودٌ أن يبلغ عين اليقين بعد حين… وأمّا غيب العلمويّين فلا يأتي أبدًا.» (ص 126)

وتلك مزيّة الكتاب: لا يكتفي بنقد العلموية من خارجها، بل يُسقطها بميزانها هي، ويترك شهودها من الملاحدة أنفسهم يشهدون.

قصةٌ من سيبيريا

ويختم المؤلف عند سؤالٍ يتهرّب منه كثيرون: هل يملك العلم نفي وجود الله؟ وهنا يسوق قصّة عالم الرياضيات جون لينوكس في سيبيريا أيّام الاتحاد السوفياتي، حين حدّث جمعًا من كبار علمائها عن إيمان كبلر ونيوتن وفاراداي بالله، فرآهم يغضبون. فلمّا سألهم عن سبب غضبهم، قال له أستاذٌ في الصفّ الأوّل:

«نحن غاضبون لأنّ هذه هي المرّة الأولى التي نسمع فيها أنّ هؤلاء العلماء المشهورين الذين نقف على أكتافهم نحن اليوم، مؤمنون بالله. لماذا لم يتمّ إخبارنا بهذا الأمر من قبل؟!» (ص 203)

فما حجبهم عن إيمان أعظم علماء التاريخ لم يكن دليلًا علميًّا، بل أيديولوجيا سبقت الدليل وقرّرت نتيجته.

خاتمة

فإذا عاد القارئ إلى تلك الصفحة التي افتتحنا بها، وإلى شعارها «نحن نُصدِّق العلم»، وجد أنّ المسألة لم تكن يومًا في العلم، بل في تلك الكلمة التي لا تُكتب: «وحده». وهذا الكتاب لا يطلب من قارئه أن يرفض العلم، بل أن يسأل، كلّما سمع «العلم أثبت»: أثبت ماذا، وبأيّ ميزان؟ فإذا فرغتَ منه، لم تعد هذه العبارة تُسكتك وحدها، وعرفتَ أنّ خصومتك ليست مع المختبر، بل مع من جعله إلهًا.

ومن قرأ لعامري كتابه الآخر «الإلحاد في مواجهة نفسه» وجد في «العلموية» تكملته؛ فالأوّل يكشف لوازم الإلحاد في الإنسان والأخلاق والمعنى، والثاني يكشف الأساس المعرفيّ الذي يقوم عليه ذلك الإلحاد.

عن مؤلف الكتاب

سامي عامري

سامي عامري، باحثٌ تونسيّ في مقارنة الأديان والمذاهب المعاصرة، وُلد سنة 1975م، وهو أحد مؤسّسي «مبادرة البحث العلمي» ومشرفها العلمي، ونال الدكتوراه في الدراسات الدينية، وله أكثر من ثلاثين كتابًا.

تعرّف على المؤلف وكتبه ←

أسئلة شائعة

عن ماذا يتحدث كتاب «العلموية»؟
يفرّق الكتاب بين العلم الطبيعي وبين العلموية، وهي مذهبٌ فلسفي يجعل مناهج العلوم الطبيعية الطريق الوحيد إلى المعرفة. يبيّن أن هذا المذهب ليس علمًا بل أيديولوجيا تتّخذ العلم قناعًا، ويكشف حدوده أمام أسئلة الوجود والعقل والأخلاق والجمال، ثم يبحث هل يملك العلم أن ينفي وجود الله.
من مؤلف كتاب «العلموية»؟
هو الدكتور سامي عامري، الباحث في الأديان المقارنة والمذاهب المعاصرة، وله أيضًا كتاب «الإلحاد في مواجهة نفسه».
هل الكتاب ضد العلم؟
لا. يصرّح المؤلف أن خصومته مع أدلجة العلم وتحويله إلى رؤيةٍ كونية، لا مع العلم نفسه ولا مع المختبر؛ وهو يفرّق بين قبول حجية العلم ورفض جعله الحاكم على كل شيء.
لمن يناسب كتاب «العلموية»؟
يناسب كل من يسمع شعار «العلم أثبت» فيسكت عن سؤاله، والشابّ في الكليات العلمية، والأب والمربّي يريدان جوابًا رصينًا لأسئلة أبنائهم عن العلم والإيمان.