التصفح من داخل التطبيق أبطأ قليلاً. لتجربة أسرع افتح الرابط في متصفحك.

نورُ العِلمِ إلى بابِك
قراءات ومراجعات

جمالية الدين: حين يعود الإيمانُ جميلًا كما نزل

غلاف كتاب «جمالية الدين: معارج القلب إلى حياة الروح» لدار السلام، إلى جانب صورة مؤلفه الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله

بأيّ عينٍ ننظر اليوم إلى ديننا؟ أبعينِ من يراه أوامرَ ثقيلةً تُؤدّى، وحدودًا صارمةً تُتّقى، ووجوهًا عابسةً تُخيف؟ أم بعينِ من ذاقه فوجده نورًا يسكن القلب، وطهارةً تغسل النفس، وشوقًا يحمل الروح إلى ربّها؟

سؤالٌ بسيطٌ في ظاهره، عميقٌ في أثره؛ فإن الجواب عنه يرسم شكلَ تديّننا كلّه.

دخانٌ حجب الوجه الجميل

ما أكثرَ من يحمل اسمَ الدين ولا يذوق طعمه! وما أكثرَ من يردّد الشهادةَ بلسانه ولم تُشرق بعدُ في قلبه! لقد طال على الناس زمنٌ صار فيه التديّن عند بعضهم خشونةً في القول، وعبوسًا في الوجه، وقسوةً في المعاملة؛ ثم جاء الإعلام فالتقط تلك الصورةَ الشاذّة، وضخّمها، وقدّمها للعالم على أنها الإسلام كلّه.

فصار المسلم نفسُه محتاجًا إلى أن يُذكَّر بما كان ينبغي أن يكون أوّلَ ما يعرف. يقول المؤلف في مقدمته:

«مما اضطرنا إلى أن نُذَكِّر بأن الدين جميل!» (ص 2)

الكتاب الذي بين يديك

وهذا الكتاب الذي بين يديك، «جمالية الدين: معارج القلب إلى حياة الروح» للدكتور فريد الأنصاري رحمه الله، من أصدق ما كُتب في ردّ الدين إلى صورته الأولى: صورةِ الجمال الذي نزل به الوحي، وعاشه النبي ﷺ، وتربّى عليه أصحابه.

ويفتتح المؤلف كتابه بسؤالٍ يكشف حرارة الموضوع في نفسه قبل أن يكشفه للقارئ:

«بأي لغة أستطيع تقديم الجمال؟ وها الكلماتُ كسيرة حسيرة!» (ص 1)

ثم لا يلبث أن يضع إصبعه على الجرح، فيستحضر جيلًا كاملًا كان التديّنُ فيه زينةً تمشي على الأرض:

«فكان المتدينون في زمانه عليه الصلاة والسلام، والأعصر التي بعده، قناديل تمشي في الأرض، ورياحين تملأ الزمان والمكان بأريج الجنة!.. فماذا وقع للناس اليوم؟» (ص 9)

مفتاح الكتاب: الدين شيء، والتديّن شيء آخر

أنفسُ ما تخرج به من الصفحات الأولى تفرقةٌ دقيقةٌ يبني عليها المؤلف كتابه كلّه: فـالدين هو نصوص الوحي، وجمالُه ثابتٌ محفوظٌ بحفظ الله، لا يخدشه شيء. وأما التديّن فهو كسب الإنسان وممارسته؛ قد يجمُل فيزيد الدين بهاءً في أعين الناس، وقد يسوء فيشوّه صورته ويحجب نوره.

ومن هنا كانت المهمة واضحة: ليست الغاية تجميلَ الدين، فهو جميلٌ أصلًا؛ بل ردُّ التديّن إلى مقاييس الدين الجمالية، حتى يفيض جمالُ الأصل على الفرع. وتأمّل كيف يصوغ المؤلف هذه القاعدة في جملةٍ واحدة:

«فجمالية الدين هي التي تفيض بأنوارها على جمالية التدين، لا العكس.» (ص 6)

ثم يضرب لذلك مثلًا من أبدع أمثلة الكتاب: وجهٌ جميلٌ فيه خالٌ صغير؛ فإن ركّزتَ نظرك على الخال وحده تضخّم في عينك حتى غطّى الوجه، فصار الجمال صورةً مفزعة! وإن نظرت إليه في سياق الوجه كلّه رأيته سرًّا من أسرار حُسنه. وكذلك يصنع من يحاكم الدين إلى أخطاء بعض المنتسبين إليه.

كيف يشتغل هذا الكتاب؟

إنه يبدأ فيُحرّر معنى «الجمالية» تحريرًا علميًّا، ويقارن بين مفهومها في الإسلام ومفهومها في الفلسفة الغربية؛ ثم يرتقي بك في أربعة إشراقات، كلُّ إشراقٍ منها مشاهدُ متتابعة، كأنها درجاتُ معراجٍ يصعد عليه القلب:

الإشراق الأول: جمالية التوحيد

هنا يعود بك المؤلف إلى الكلمة الأولى، الكلمة التي يحفظها كل مسلم، ليريك أنك ربما لم تذقها بعد:

«كلمة البدء في الإسلام هي: (لا إله إلا الله).. وهي كلمةُ سِرٍّ!.. سِرٌّ في غاية اللطافة والبهاء.. نعم كل المسلمين يقولونها، ولكن القليل منهم هم الذين يتذوقونها حقا!» (ص 32)

ويقرّر أن سرّ هذه الكلمة، الذي غيّر مجرى التاريخ وصنع رجاله، إنما يكمن في جمالها:

«الجمال: ذلك الشيء الذي لا يُدرَك إلا بحاسة القلب. إنه إحساسُ: (كم هو جميل أن يكون المرء مسلما!)» (ص 33)

وفي مشهد التفكّر يقف عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، ويطرح سؤالًا لعلّك لم تطرحه قط: لماذا اشترط الله أن يكون التفكّر مثنى وفرادى، لا جماعات؟ والجواب في الكتاب، وهو من ألطف ما فيه.

الإشراق الثاني: جمالية اليوم الآخر

أيُعقل أن يكون للموت جمال؟ هذا ما يجرؤ المؤلف على إثباته. يبدأ بالعُمر فيريك أنه ليس فيه طويلٌ وقصير، بل هو قصيرٌ كلّه؛ ثم يقف بك أمام الموت وقفةً لا تُنسى:

«(كل نفس ذائقة الموت!) هكذا: (ذائقة!).. فلا أحد ينبئك عن جوهرها إلا أن تدخل بابها! وإنا لداخلوه ذوقا خاصا، أنا وأنت! و.. عما قريب!» (ص 75)

ثم يمضي بك إلى مشاهد الحياة الآخرة بقلمٍ يكاد يجعلك ترى الجبال تُنسَف، والسماء تُطوى، والخلائق تُعرَض صفًّا.

الإشراق الثالث: جمالية العبادة

هنا تنقلب الصورة المألوفة رأسًا على عقب: فالعبادة ليست ضريبةً يؤدّيها كارهٌ، بل شرفُ انتسابٍ إلى الله، حين يخاطبك ربّك بقوله: «عبدي». ويختصر المؤلف ذلك في عبارةٍ قصيرةٍ حاسمة:

«إن العبادة (رغبة) قبل أن تكون (رهبة)!» (ص 89)

ثم يدخل بك في الصلاة، أمِّ العبادات، فيريك المصلّي واحدًا من موكبٍ كونيٍّ عظيم: الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر، كلّها ساجدةٌ مسبّحة، وأنت معها في الصفّ.

الإشراق الرابع: جمالية منازل العبادة

وهو ذروة الكتاب ومسكُ ختامه؛ يطوف فيه المؤلف بمنازل السائرين إلى الله: التوبة، والخوف والرجاء، والمحبة. ويحرّر قبل ذلك موقفه من هذا الباب بإنصافٍ نادر؛ فلا يقبل كلّ ما قيل فيه، ولا يردّ كلّ ما قيل، بل يزنه بميزان الكتاب والسنة. ثم يرسم التوبة بصورةٍ لعلّك لم ترها من قبل:

«التوبة هي وضوء النفس وطهورها. تماما كما أن للأعضاء البدنية وضوءها وطهورها.. فأن تتوب إلى الله يعني أنك تتطهر» (ص 124)

ويفتتح مشهد الخوف والرجاء بلوحةٍ مجنّحة:

«هذا الطائر المحلّق إلى ربه في سماء صافية جميلة، يحدوه الشوق إلى ديار الحبيب» (ص 132)

مزيّته الفارقة

وتلك مزيّته الأولى: أنه لا يحدّثك عن الجمال حديثًا باردًا، بل يكتبه بلغةٍ جميلة. فالقارئ لا يخرج منه بمعلومةٍ عن جمال الدين فحسب، بل بتجربةٍ يذوق فيها شيئًا من هذا الجمال وهو يقرأ.

ومع ذلك فليس الكتابُ خواطرَ وجدانيةً سائبة؛ بل هو مؤصَّلٌ بالآية والحديث، موثّق المصادر، يجمع بين عقل العالِم وقلب الأديب. وقد كُتبت مسوّدته الأولى سنة 1999، ونُشرت فصولٌ منه مقالاتٍ، ثم أعاد المؤلف صياغته وتنقيحه حتى أتمّه بمكناس سنة 2005.

لمن هذا الكتاب؟

ما أحوجَ كلَّ مسلمٍ إلى هذا الكتاب!

فهو لمن أَلِف العبادة حتى صارت عادة، ويريد أن يستعيد طعمها الأول.

وهو لمن نفّرته صورةٌ قاسيةٌ للتديّن، فيبحث عن الوجه الحقيقي للدين.

وهو لمن يدعو إلى الله ويريد أن يقدّمه للناس كما قدّمه النبي ﷺ: عرضًا جميلًا يأسر القلوب.

وهو لكلّ قلبٍ يشعر أن بينه وبين ربّه مسافةً يريد أن يطويها.

ختامًا

يختم المؤلف إشراقاته بقصة رجلٍ من البادية اسمه زاهر، كان دميمَ الصورة يتحاشاه الناس، فاختاره النبي ﷺ صاحبًا محبوبًا، وداعبه يومًا في السوق مداعبةً لم يحظَ بمثلها كثيرٌ من الصحابة. ولن نروي لك القصة هنا، فهي أجمل في موضعها من الكتاب؛ ولكن خذ منها هذه الجملة التي يعلّق بها المؤلف:

«وإنَّ جَرَّةً من الفخّار القديم لَتعلُو قيمتُها وتَغلُو؛ إذا كانت تَكتنِزُ في باطنها ذهباً خالصاً!» (ص 157)

فإذا أنت فرغتَ من هذا الكتاب، لم تعد تنظر إلى صلاتك وتوبتك وشهادتك كما كنت تنظر إليها من قبل؛ وأدركتَ مع مؤلّفه أن:

«الروح إذا جَمُلَتْ جَمَّلَ كلُّ شيء صدر عنها! من الترتيل إلى التشكيل، أي من الاشتغال بالقرآن إلى الاشتغال بالعمران!» (ص 156)

رحم الله الدكتور فريد الأنصاري، وجعل كتابه هذا نورًا يهتدي به كلّ قلبٍ يطلب طريقه إلى الجمال.

عن مؤلف الكتاب

فريد الأنصاري

الشيخ الدكتور فريد الأنصاري (1960–2009)، عالمٌ وأديبٌ مغربي، جمع بين دقّة الأصولي ورقّة الشاعر. درّس أصول الفقه ومقاصد الشريعة بمكناس، وكتب الشعر والرواية، وجعل مجالس القرآن مشروع حياته، ليعيد القلوب إلى القرآن «من التلقي إلى البلاغ»، ومنه إلى العمران.

تعرّف على المؤلف وكتبه ←

أسئلة شائعة

عن ماذا يتحدث كتاب «جمالية الدين»؟
يفرّق الكتاب بين الدين، وهو نصوص الوحي الثابتة الجميلة بذاتها، والتديّن، وهو ممارسة الإنسان له؛ ويقرّر أن جمال الدين ينبغي أن يفيض على التديّن لا العكس، ثم يرتقي بالقارئ في أربعة إشراقات: جمالية التوحيد، وجمالية اليوم الآخر، وجمالية العبادة، وجمالية منازل العبادة كالتوبة والخوف والرجاء والمحبة.
ما الفرق بين الدين والتديّن عند فريد الأنصاري؟
الدين عنده نصوص الوحي وجمالها الثابت المحفوظ بحفظ الله، لا يخدشه تقصير أحد. والتديّن كسب الإنسان وممارسته، قد يحسُن فيزيد الدين بهاءً في أعين الناس، وقد يسوء فيحجب نوره؛ فالمهمة ردّ التديّن إلى مقاييس الدين الجمالية، لا تجميل الدين وهو جميلٌ أصلًا.
من مؤلف كتاب «جمالية الدين: معارج القلب إلى حياة الروح»؟
هو الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله، كتب مسوّدته الأولى سنة 1999، ونشر فصولًا منه مقالات، ثم أعاد صياغته وتنقيحه حتى أتمّه بمكناس سنة 2005.
لمن يناسب كتاب جمالية الدين؟
يناسب كلَّ مسلمٍ ألِف العبادة حتى صارت عادة ويريد أن يستعيد طعمها الأول، ومن نفّرته صورةٌ قاسيةٌ للتديّن ويبحث عن الوجه الحقيقي للدين، ومن يدعو إلى الله ويريد أن يقدّمه عرضًا جميلًا كما قدّمه النبي ﷺ، وكلَّ قلبٍ يشعر أن بينه وبين ربّه مسافةً يريد أن يطويها.