التصفح من داخل التطبيق أبطأ قليلاً. لتجربة أسرع افتح الرابط في متصفحك.

نورُ العِلمِ إلى بابِك
قراءات ومراجعات

حين يشهد الملحدون على عقيدتهم: قراءة في كتاب «الإلحاد في مواجهة نفسه»

غلاف كتاب «الإلحاد في مواجهة نفسه: حقيقة الإلحاد على ألسنة فلاسفته ورموزه» لمركز رواسخ، إلى جانب صورة مؤلفه الدكتور سامي عامري

وقف المؤرّخ والفيلسوف الأمريكي ويل ديورانت يومًا يتأمّل صراعات عصره الكبرى: الشيوعية والرأسمالية، أوروبا وأمريكا، الشرق والغرب. ثم أزاحها كلّها جانبًا، وقال:

«إنّ أعظم قضيّة في زماننا ليست هي قضيّة الشيوعية في مقابل الفرديّة، ولا أوروبا في مقابل أمريكا، ولا حتّى الشرق في مواجهة الغرب، وإنّما أعظم قضيّة هي إن كان بإمكان الإنسان أن يحيا دون الله.»

بهذه الكلمة يفتتح الدكتور سامي عامري كتابه «الإلحاد في مواجهة نفسه: حقيقة الإلحاد على ألسنة فلاسفته ورموزه». وهو لا يجيب عن سؤال ديورانت بمواعظ المؤمنين، بل يسلك طريقًا أجرأ: يسأل الإلحادَ نفسه، ويترك فلاسفته يجيبون.

شعاراتٌ بلا خريطة

يُقدَّم الإلحاد اليوم في صورةٍ مصقولة: هو العقل في مواجهة الخرافة، والحرّية في مواجهة الوصاية، والتنوير في مواجهة الظلام. بل يقول كثيرٌ من دعاته إنه ليس عقيدةً أصلًا، وإنما هو «مجرّد غياب الإيمان بالله».

ولكن، أيكفي أن يرفع المرء شعارًا ليعرف إلى أين يقوده؟ وهل يُعقل أن يقول إنسانٌ «لا إله، والوجود مادّة» ثم تبقى نظرته إلى نفسه وعقله وأخلاقه كما كانت؟

كلا! بل إنّ هذه الكلمة الواحدة، كما يقرّر عامري، رؤيةٌ كونيةٌ كاملة، تتفرّع عنها بالضرورة مواقف في الإنسان والعقل والإرادة والمعنى والأخلاق والجمال. والمشكلة أنّ جمهور الملاحدة، في تعبيره، «يقنعون بالعناوين والشعارات، ولا يهتمّون بحقيقة الصورة الكونية الكبرى التي يصنعها الإلحاد». ولذلك يقطع وعدًا جريئًا:

«نحن نَعِدُ القارئَ أن يكتشف معنا أنّ الإلحاد ليس فرضيّةً فاشلة، وإنما هو فرضيّةٌ مستحيلة.» (ص 26)

كونٌ بلا اكتراث

يبدأ الطريق من صورة الكون نفسه. فإذا لم يكن وراء العالم خالقٌ حكيم، فأيّ عالمٍ هذا الذي نعيش فيه؟ يجيب ريتشارد داوكنز، أشهر وجوه «الإلحاد الجديد»، بصراحةٍ تكاد تكون باردة:

«الكون الذي نُبصره يحمل بكلّ دقّةٍ الخصائصَ التي ينبغي لنا أن نتوقّعها إذا كان في جوهره بلا تصميم، ولا غاية، ولا شرّ، ولا خير؛ لا شيء غير عدم اكتراثٍ قاسٍ.» (ص 24)

وقبل داوكنز بقرنٍ كامل، أدرك فريدريك نيتشه أين ينتهي هذا الطريق، فتنبّأ بأنّ العدمية ستسود أوروبا في القرنين التاليين، وأنّ الخراب سيتمكّن من ثقافتها. لم يكن نيتشه واعظًا يخوّف الناس من الإلحاد؛ بل كان ملحدًا يقرأ مستقبل إلحاده.

الإنسان: من التكريم إلى القطيع

في القرآن، الإنسان كائنٌ مكرَّم: سخّر الله له ما في السماوات والأرض، وأسجد له ملائكته، وخلقه في أحسن تقويم. فما الإنسان في الرؤية المقابلة؟

يجيب عالم النفس الملحد ستيف ستيوارت ويليامز:

«تتناقض النظرية التطوّرية مع فكرة أنّ سكّان هذا الكوكب من الممكن تقسيمهم إلى بشرٍ وحيوانات.» (ص 31)

فلا فضل لإنسانٍ على حيوان، ولا لحيوانٍ على حجر؛ والفرق بين الإنسان والفأر والخنزير، كما يوضّح عامري، فرقٌ في الكمّ لا في الكيف، وفي حجم الحوض الجيني لا في القيمة.

ولم يكن هذا خافيًا على معاصري داروين أنفسهم. فقد كتب إليه آدم سِدجويك، مشرفه السابق في العلوم الطبيعية بجامعة كمبردج، رسالةً سنة 1859، بعد فترةٍ قصيرة من صدور «أصل الأنواع»، يقول فيها:

«إنّ البشرية ستعاني من ضررٍ قد يُثخن فيها، وسيهوي الجنس البشري إلى درجةٍ دنيا متدهورة، أدنى من أيّ دَرَكٍ بلغه الإنسان في تاريخه المكتوب.» (ص 127)

العقل يقطع الغصن الذي يجلس عليه

ههنا أدقّ ما في الكتاب وأمتنه. فالملحد يفخر بأنه ابن العقل، وأنه ما ألحد إلا لأنه فكّر. ولكن: ما العقل في الرؤية الإلحادية؟ إنه دماغٌ صنعته طفراتٌ عمياء، غايتها البقاء لا الحقيقة. فلماذا نثق أنّ هذا الدماغ يهدينا إلى الصواب؟

لقد لخّص الأديب والفيلسوف البريطاني سي. إس. لويس هذا المأزق في جملةٍ واحدة:

«النظرية التي تفسّر كلّ شيءٍ في الكون كلّه، ولكنها تجعل من المحال الإيمانَ أنّ تفكيرنا سليم؛ لا مجال لأن تُقبَل شهادتها.» (ص 55)

ويبني عامري على ذلك سلسلةً محكمة تنتهي إلى مفارقةٍ لاذعة: إذا كان الإلحاد ينفي وجود عقلٍ قادرٍ على إدراك الحقيقة، وكان العقل هو السبيل الوحيد لإنكار الله، فإنّ «القول بالإلحاد يقتضي الكفر بالإلحاد حتى يتمكّن الملحد من الكفر بالله!» (ص 64). إنه، كما يسمّيه، «إمكانيّةٌ مستحيلة».

الإنسان الآلة

كلّنا نشعر أننا نختار: نختار كلماتنا، وطرقنا، ومن نحبّ. أمّا الإلحاد المادّي فيرى في هذا الشعور خديعةً كبرى. يقول عالم الأحياء فرنسيس كريك، أحد مكتشفي بنية الحمض النووي:

«أنتَ، وأفراحُك وأحزانُك، وذكرياتُك وطموحاتُك، وشعورُك بذاتك وحرّيةُ الإرادة، كلُّ ذلك ليس في الحقيقة سوى سلوكِ تجمّعٍ كبيرٍ من الخلايا العصبيّة وجزيئاتها المرتبطة بها.» (ص 77)

ويضيف عالم النفس الأمريكي جيمس هلمان:

«أنا أعيش مؤامرةً مكتوبةً عن طريق الشفرة الوراثيّة الخاصّة بي، ووراثة الأجداد، والمناسبات المؤلمة في حياتي، والحوادث الاجتماعيّة.» (ص 77)

ثم يسوق عامري الفكرة إلى نهايتها: إذا لم يكن الحبّ إلا كيمياء، فلا ينبغي للملحد المتّسق أن يقول لزوجته «أنا أحبّك»، بل عليه أن يقول لها بصدق: «زوجتي.. إنّ الدوبامين قد أغرق النواة المذنّبة في دماغي!» (ص 85).

والعجيب أنّ الذين ينكرون حرّية الإرادة هم أنفسهم الذين يدعون الناس إلى «اختيار» الإلحاد، ويسمّون أنفسهم «المفكّرين الأحرار»!

حياةٌ بلا غاية

في الإسلام، للحياة بدايةٌ ونهاية: خُلق الإنسان ليكون خليفةً في الأرض، يُبتلى فيها، ثم يُجزى على عمله. أمّا في الإلحاد، فيقول عالم الأحافير جورج غايلورد سمبسون:

«وُجودُ الإنسان كان نتيجةً لعمليةٍ طبيعيةٍ بلا هدف؛ لم تَضَعْه في الاعتبار في البدء.» (ص 89)

وما الذي يحدث لإنسانٍ يقتنع بأنه لا غاية له؟ يجيب بشهادةٍ من قلب الجحيم عالمُ النفس النمساوي فكتور فرانكل، الذي ذاق معتقلات النازية بنفسه:

«كانت غرف الغاز في أوشفيتز النتيجة النهائية لنظرية أنّ الإنسان ليس سوى نتاج الوراثة والبيئة.» (ص 92)

ويحاول بعض الملاحدة الهرب من هذا الفراغ بحيلةٍ لفظية: لا يوجد «معنى للحياة»، ولكننا نصنع «معنى في الحياة». يقول الفيلسوف كاي نيلسون إنّ الإنسان، وإن لم يُصنع لغرض، يستطيع أن تكون له غاياتٌ وأهدافٌ يجدها جديرةً بالاهتمام. ويسأل عامري: أيكفي معنًى يصنعه الإنسان بيده، وهو يعلم أنه وهم، ليملأ فراغ وجودٍ بلا غاية؟

أخلاقٌ بلا أساس

قال النبي ﷺ: «ما من شيءٍ أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق». فللأخلاق في الإسلام وزنٌ في الدنيا وميزانٌ في الآخرة.

فما الأخلاق عند الإلحاد؟ يجيب المؤرّخ يوفال نوح هراري، صاحب «العاقل»:

«لا توجد آلهة في الكون… ولا حقوق إنسان، ولا قوانين، ولا عدل، خارج الخيال الجمعي للبشر.» (ص 115)

ويذهب فيلسوف العلم مايكل روس أبعد من ذلك:

«صراحةً، تقول الأخلاقيات الداروينية إنّ الأخلاق الجوهرية نوعٌ من الوهم، قد وُضعت فينا من قبل جيناتنا؛ حتى نكون أفرادًا اجتماعيين متعاونين.» (ص 120)

وهنا يقف عامري عند مفارقةٍ مدهشة: إنّ الملحد، إلحاديًّا، عاجزٌ عن أن يكون صالحًا، بل وعاجزٌ حتى عن أن يكون فاسدًا؛ لأنه لا خير ولا شرّ في عالمٍ لا يعترف إلا بحركة الذرّات.

حين يموت الجمال

ويختم المؤلف رحلته عند الجمال: جمال السماء المزيّنة بالكواكب، وجمال الطبيعة، وجمال الحبّ في القلوب. وقد لخّص اللاهوتي إدوارد فارلي القضية في عبارةٍ قصيرة:

«عندما يموت الإله، يموت الجمال.» (ص 131)

فإذا كان الكون بلا قصدٍ ولا حكمة، أليس قبحه أقرب إلى المنطق الإلحادي من جماله؟ فلماذا يتغنّى الفيزيائيون الملاحدة بجمال الكون، ويتّخذونه معيارًا لصحّة نظرياتهم؟

الإلحاد يجيب عن نفسه

ولعلّ أبلغ ما في الكتاب أنّ المؤلف لم يحتج في النهاية إلى أن يتكلّم. فقد ترك الكلمة للفيلسوف الملحد ألكسندر روزنبرغ، الذي أراد في كتابه «دليل الملحد إلى الواقع» أن يُعلّم الملاحدة حقيقة مذهبهم، فأجاب عن أكبر أسئلة الإنسان هكذا:

«هل يوجد إله؟ لا. ما غاية الكون؟ لا توجد أيّ غاية. لماذا أنا هنا؟ ضربة حظّ. هل هناك إرادة حرّة؟ لا، البتّة! ما الفرق بين الصواب والخطأ، والخير والشرّ؟ لا يوجد فرقٌ أخلاقيٌّ بينهما.» (ص 151-152)

ولذلك نقل عامري عن أحد المراجعين المسيحيين لكتاب روزنبرغ نصيحةً ساخرة: إذا صادفتَ هذا الكتاب في مكتبة، ففكّر في نقله إلى قسم «الدفاع عن الإيمان»!

خاتمة: مذهبٌ لا يُعاش

بين ديورانت في أوّل الكتاب وروزنبرغ في آخره، يتّضح الجواب عن السؤال الكبير: أيستطيع الإنسان أن يحيا دون الله؟ أمّا نظريًّا فقد يقول ذلك، وأمّا عمليًّا فلا. يقول المفكّر فرنسيس شيفر:

«إنّ ذاك المذهب من الممكن تبنّيه نظريًّا، ولكن لا سبيل لتبنّي القول إنّ كلّ شيءٍ في فوضى مطلقة عمليًّا.» (ص 153)

ومن هنا جاءت خلاصة عامري، وهي أقسى ما يمكن أن يُقال في مذهب:

«إنّ الإلحادَ لا يرتقي إلى أن يكون خطأً.. إنّه دون ذلك؛ إنّه شيءٌ مستحيلٌ غيرُ قابلٍ للتصوّر، و“مستحيل”؛ لأنه لا يُمكن أن يُعاش.. فكيف يوجد إذنْ عندها مُلحدٌ صادقٌ في إلحاده؟!» (ص 155)

إنه كتابٌ لا يهاجم الإلحاد بقدر ما يضعه أمام مرآته، ثم يتركه ينظر.

عن مؤلف الكتاب

سامي عامري

سامي عامري، باحثٌ تونسيّ في مقارنة الأديان والمذاهب المعاصرة، وُلد سنة 1975م، وهو أحد مؤسّسي «مبادرة البحث العلمي» ومشرفها العلمي، ونال الدكتوراه في الدراسات الدينية، وله أكثر من ثلاثين كتابًا.

تعرّف على المؤلف وكتبه ←

أسئلة شائعة

عن ماذا يتحدث كتاب «الإلحاد في مواجهة نفسه»؟
يضع الكتاب الإلحادَ أمام مرآة رؤيته للكون، فيدع أبرز فلاسفته في القرون الأخيرة يشهدون بلوازم مذهبهم بكلماتهم هم، موثّقةً من مصادرها الأصلية: في الكون، والإنسان، والعقل، والإرادة الحرّة، ومعنى الحياة، والأخلاق، والجمال، ثم يعرض في كل مسألةٍ نظرة الإسلام إليها.
من مؤلف كتاب «الإلحاد في مواجهة نفسه»؟
هو الدكتور سامي عامري، الباحث في الأديان المقارنة والمذاهب المعاصرة، وله أيضاً كتاب «العلموية: الأدلجة الإلحادية للعلم في الميزان».
هل يناقش الكتاب أدلة الملحدين واحدةً واحدة؟
لا يطيل المؤلف في مناقشة أدلّة الإلحاد، بل يكشف حقيقته ولوازمه بشهادة فلاسفته أنفسهم؛ لأنه يرى أن أصل الإشكال عند عامّة الملاحدة في تصوّر الإلحاد نفسه، لا في تفصيل أدلّته.
لمن يناسب كتاب «الإلحاد في مواجهة نفسه»؟
يناسب الشابّ الذي تأخذه فصاحة الخطاب الإلحادي، ومن يحاور الملحدين ويريد أن يعرف ما وراء شعاراتهم، والمربّي يرى أسئلة الشكّ تقترب من بيته.